التخطي إلى المحتوى
خواطر على أطراف النهار …للقلم …للقهر وللياسمينة …

د. صلاح الدين محمود المومني

بعثت الياسمينة إلي بإهداء قالت فيه: “يامن لا تتوقف يوماً عن الحرب بقلمك، بحرفك، وفكرك الطاهر …. لك أهدي صور وخواطر شيخ دمشق الجليل علي الطنطاوي …” من إهداء الياسمينة المنقوش على “صور وخواطر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله”.

لست أدري إن كان من حقي أن أكتب هذه الكلمات إليك اليوم وأنا لا أعلم أين يقيم طيفك وما قد اعتراك بعد هذا العمر. لكنني أدعو لك بكل خير آملاً أن يجعل الله في قادم الأيام ماهو خير لنا ولأمتنا.

تصفحت اليوم خواطر شيخنا الجليل علي الطنطاوي –يرحمه الله-، ذاك الذي أهديتني قبل عشرة أعوام مضت من العمر كبارقة أضاءت ثم رحلت. قلتِ لي في إهدائك ما قلت، وما أدري إن كنتِ مازلتِ ترينني بتلك الصورة ورونقها أم لا؟ ففي تلك الأيام الخوالي استللت قلمي دفاعاً عن المظلومين، ولا أنكر أنني كنت شرساً في الهجوم على كل ظالم، لذا وجدتُ منك هذا الإطراء رغم أنكِ وديعة لينة طيبة مؤمنة وليس من السهل أن تستهويك العاصفة التي كانت تتفجر من نفسي الثائرة. بقيت أتساءل دائما بالقول: مالذي جمع وعورة نفسي إلى وداعتك لكي يروق لك ما كنت أكتب حينها، رغم أن هناك من الكتاب والشعراء والأدباء من أبدعوا، وكلماتهم كانت بسحر النسيم؟ أتراك كنت ثائرة بلون وجمال الياسمين؟ هل ما جعلك تكتبين لي حينها قوة العاصفة التي كانت تتأرجح في أنفاسي المنثورة في مقالاتي وخواطري، لا مستها ثورة في جنبات روحك الطاهرة؟ يا لثورة الياسمين … ويا لثورتك حينما تجرين قلمك على بياض الصحف!!!!

قرأت إهداءك القديم المتجدد أيتها الياسمينة مرات ومرات، لكنه اليوم وعلى أطراف النهار كان لي وله نبض جديد، وقراءة تستحق أن أكتب فيها خواطري.

قرأت إطراءك فتعجبت وقلت: أيعقل هذا؟ واعذريني أن اتهمتك بالوهم في الحكم على الآخرين، لكن في نهاية الإهداء قلتِ “يامن لا تتوقف يوماً عن الحرب بقلمك، بحرفك، وفكرك الطاهر …. لك أهدي صور وخواطر شيخ دمشق الجليل علي الطنطاوي …”  وهنا تساءلت: أتراك تحضينني بهذه العبارة على المواصلة أم هي قناعة تولدت لديك أنني لن أتوقف في حربي حينذاك …وأن لا ألقي سلاحي في معركة القلم؟ أتراك اليوم تحملين ذات القناعة بقلمي؟

قلت لك ذات مرة عن إحساس بداخلي على هامش حوار بيننا أننا سنفترق، وستفرض الأيام علينا أن نبحر كلٌّ في اتجاه، لكن؛ سنعود ونلتقي …. سنكون متعبين … ووجوهنا شاحبة …

أتدرين؟ هاهي الأقدار أتت على أول الحدس وافترقت مراكبنا، كلٌّ مضى في اتجاه مغاير للآخر، رأيتُ ما أحسستُ، وعايشت ما تنبأت به، وها أنا اليوم أجدني محطماً غير قادر على حمل روحي إلى محطة اخرى من محطات الزمن ….

لقد سلبتني الأيام قوتي وإرادتي وزادتني الدنيا من أعبائها ما أرهق روحي وقلبي …

تتسع الدنيا وتضيق، لكنني أجد أن نفسي مضطربة، فلا أرى منها إلا الضيق … فهل من فرج بعده؟

تحدثتِ عن أملِك في أن يبقى قلمي قائماً صلباً يرسم ملامح المعركة ويصول ويجول، أفلا يحتاج القلم إلى إرادة وقلب وعقل وروح؟ من أين لي ذلك كله اليوم؟ كيف سأستعيد تلك الروح التي نبضت يوماً وأطلقت العنان لكل دفاعاتها عن الإنسان وكرامته؟ وعن الوطن وأهله؟

تبدلت الأيام “يا أنا” وأغرقتني الدنيا في بحرها كما تهت في صحرائها ….تجاذبتني خطوبها وما عاد في القلم من المداد ما يكفي لخوض معركة واحدة، وكما ترين؛ الحرب من كل حدب وصوب، والأحزاب كثر، وخندقنا الذي كان يغص بالأوفياء منقسم على ذاته، وقريظة وأحبارها مجتمعون هم وكسرى وأبو لهب …

سماؤنا مليئة بالمقاتلات تحمل الموت للأبرياء … تقصف قبر صلاح الدين ويوسف العظمة …. وتقصف أطفالنا وحقول الياسمين…وروحي ….

أرضنا فيها ألف “ديغول” يا أنا، أتراها حرب أقلام اليوم؟ ولو ملأت بمدادها ورفدتها البحار حبراً …

شعبنا يموت غرقاً يا ابنة العم، ومن تبقى يحترق تحت القصف، فما يجدي القلم يا سيدتي في مثل هذه الحرب؟

دمشق يا ابنة دمشق تغص بالمجرمين من كل مكان، أتاها التتار والصليبيون والفرس … كلهم اليوم يربضون على تخومها ويغتصبون عفافها … أتراه ينفع القلم للدفاع عنها؟

كل شيء تغير يا ياسمينتي … حتى قلبي تغير وروحي تبدلت …. فما بال روحك انتِ؟

تجاعيد الوجه البادية علينا ليست زمناً يا “أنا”، بل أحداث وقهر وغلب لن يمحوها من معالم وجوهنا إلا النصر، أترين القلم يأتينا بالنصر؟

من أين يأتي النصر وصحفنا تعج بأقلام أحفاد ابن سلول تكيل المدح لزعماء أتوا لعروش بلادنا بأمر التتار والفرس وكل الغاصبين؟

اعذريني أيتها الياسمينة الحرة، فالخواطر في حضرتك تبللت بالدمع ونسجتها الآه وكنت أتمنى أن تكون خواطر فرح بلقاء جديد.

صدقيني وددت أن أكتب لك شيئاً آخر من معانيك السامية، لكن تعنّى الفؤاد، وتقرحت النفس وذبلت شعلة الروح …فما يطيب لي ذكرك إلا والنفس في غاية تجليها والروح في أتم بريقها وألقها…

كنت ذات مرة أستمد كلماتي من حديث كان بيننا … لكنني اليوم ركنت إلى إهدائك لأكتب هذه السطور وصلاً ….غير أن وصلنا اليوم ليس كما كان من أمسنا …إنه وصل تحت أزيز الرصاص ووقع صوت المدافع وفرقعات القصف …

أتذكرين يوم قلتُ سنلتقي متعبيْن ….؟ ها انا اليوم متعب الروح وأهذي … أرجوك اعذري قسوة حديثي … فبوح اليوم ألم … آهاتٌ …  وأحزان… وأرجو أن يكون من غدنا حديث فرح لقلوبنا وأرواحنا … “ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم” … اللهم أرنا نصراً يفرح قلوبنا ويضمد جراح أرواحنا …

لكن قبل أن أودعك …. دعيني أخبرك بسر …

لا تحزني يا سيدتي، فقد عهدت قلمي حينما يصخب يسكب على الورق ثورة …. لا يأس أبداً … فلتقرّ عينك ولتهدأ روحك …. فالقلم يستمد حياته من نزفنا … ثورتنا مستمرة … ثورتنا مستمرة… وإني أراك تمسكين على الزناد…..

سلام عليك “يا أنا” أينما حللتِ …

دمت بوصل ….

خارج النص (للياسمينة ذكر لا يكون إلا في يوم تتزاحم فيه الأفكار، وحيزها ليس في العقل فقط، بل في الروح والنبض، وهي لا تكاد تلمع في سمائي حتى تولّد طاقة ونوراً يمدان سنين معمّر لبث في زمنه مئة عام، ثم زادت البركة في عمره مئة أخرى، ولا أظنه يكلّ السنين مهما امتدت وفيه نبض، فتراه يدعو ومازال النور يضيء جوانب العمر منه حتى كأنه ولد من يومه، هذا هو فعل الياسمينة بإشراقتها فيمن أتى عليه دهره، فكيف بمن لازال يرسم خطاه وما يدري متى يكون منتهاه؟

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *