التخطي إلى المحتوى
قانون الإرهاب “جاستا” الحرب الجديدة وعصر الإنحاطاط-  الجزء الثاني

د. صلاح المومني

القانون خطوة تمهيدية لضرب الحليف ومحاولة لتقسيم البلاد وتدويل مكة والمدينة

خطة لتصفية ضرع البقرة الحلوب وصويحباتها تنفيذاً لرغبة “ترامب” بذبحها

الجزار يختبئ وراء ستار، والسكين تم شحذها وإيران تنتظر الأوامر للتنفيذ

أميركا ستندم كثيراً إذا سارت في اتجاه القطيعة واذكروا قولي…

الإدارات الأمريكية سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية تجمع في سياستها بين حقد الواقع وحلم وخيال أفلام الكرتون التي تربى عليه القائمون عليها. ما تحدث عنه المرشح الجمهوري دونالد ترامب في العديد من خطاباته حول السعودية ليس أكثر من حديث الشارع الأمريكي المتشدد، فالأمريكيون يرون السعودية خصوصاً والخليج عموماً كنزاً لا بد من الاستيلاء عليه، ويعد أمر الاستيلاء على مقدرات العربية السعودية هاجس “علي بابا أميركا” يؤيده في ذلك الشارع الجاهل المرتبط بالدولار عاطفة وكياناً وتصرفاً. فهم -الأمريكيون المتشددون- لو حدثت حالة قتل أو اغتصاب قام بها كمبودي أو فنزويللي في أحد شوارع أميركا لاعتبروا السعودية محرضاً على ذلك ولجعلوا من الأمر تشدداً إسلامياً، وكأن مرتكب الفعل المشين تخرج من مساجد العربية السعودية رغم أنه قد يكون بوذيّاً أو مسيحياً. هذه العقلية والنفسية التي يعيشها ترامب ومؤيدوه في الشارع الأمريكي هي الكامن وراء تخريج قانون مثل قانون “جاستا”، في الوقت الذي يراه عقلاء أميركا من الناحية القانونية وبالاً على الدولة الأمريكية، لكن من قال بأن عقلاء أميركا هم أصحاب التأثير في سياستها واهم وكأنه يرى الشمس في وضح النهار ثم يقول هذا فانوس معلق في السماء، أو يرى فانوس جدته ذا النور الخافت ويقول “الشمس تطلع من بيت جدتي”.

أميركا لم تكن في يوم من الأيام إلا طرفاً في معادلة تجارية عملاؤها كثر، لكن أقلهم خبرة في إبرام العقود كانوا هم العرب. فأميركا التي تصوغ العقود، وتنشؤها لغة ومضموناً، والعرب يوقعون دون فهم، ومع ذلك، ترى الغطرسة الجمهورية لدى زير النساء “ترامب” أنه لابد من الانقضاض وتصفية ضرع البقرة الحلوب وذبحها.

هناك بؤر تؤججها إيران بين الفينة والأخرى داخل العربية السعودية، وتلعب من خلالها لعبتها الطائفية. هذه البؤر الطائفية لم تكن لتجد النور وتعمل بعلنية كما هو الحال في السنوات الأخيرة إلا لكون أميركا أعطت الضوء الأخضر “للزوجة السرية” أو للجارية لتعمل على تأجيج الصراع الطائفي في السعودية.  -أميركا وإيران ومنذ اندلاع ثورة الملالي الظاهرة تعيشان زواجاً سريّاً ظهر مؤخراً بعد اتفاق النووي”.

القانون خطوة تمهيدية لضرب الحليف وتقسيم البلاد وتدويل مكة والمدينة

أميركا بقدر ما تحتاج القانون للتمويه والتبرير خارجيّاً من أجل القيام بعمل ما تحتاج القانون أضعافاً مضاعفة داخليّاً لتقدم للأمريكيين أسباب تحركاتهم وسياساتهم الخارجية. فالقادم وحسب مخرجات الخطاب السياسي الأمريكي المبطن هو إشاعة الفوضى في الخليج وفي قلب العالم الإسلامي -السعودية-. يريد الأمريكيون السيطرة كليّاً على منابع النفط بحيث يصبح لديهم القدرة على التحكم بالأسعار العالمية من ناحية، وبحيث يستطيعون إذلال خصومهم الاقتصاديين “الصين”. كذلك تريد أن تضع قدمها في المنطقة وفق نظرية جديدة في الصراع الدولي تتيح لأميركا الخروج من أي مأزق في أقل ما يمكن من الخسارة، ولن يتأتى ذلك إلا بانتداب “إيران” للقيام بالعمل الشاق على أكثر من جبهة، وتكبد الخسارة الفادحة بشريّاً ليكون لها في النتيجة الحصول على الشهد دون لسع النحل.

أما تقسيم السعودية فهو الحلم الإيراني الذي سيتم بموافقة أميركا مقابل حقول النفط والنفوذ وعدم خوض معارك على الأرض تفضي بالأمريكيين إلى مآلات اقتصادية وخيمة وخسارات عسكرية قد تفاقم أزمات داخلية في أميركا لن تقوى على ردعها وكبح جماحها.

عمامة وجبة نابليون وتدويل مكة والمدينة إسلامياً

أما الثوب الذي ستتنكر به أميركا وحلفاؤها فهو لا يختلف كثيراً عن جبة وعمامة نابليون أثناء غزوه مصر. فهناك من يرى في الجبة قداسة “الجنيد” أو روح السيد “البدوي” عند مريديه. وهي وسيلة سلسة خصوصاً أن العرب عاطفيون ويرون حتى في حركات “اليوجا” شكلاً من أشكال العبادة والصلاة. فالخواء الفكري والجهل لدى العرب سيسوغ لديهم مسألة تدويل مكة والمدينة، ولكي تأخذ طابعاً مقبولاً سيجدون طريقهم من خلال منظمة العالم الإسلامي التي لم تكن فعالة على الأرض، وإنما ستكون من أجل عملية التدويل.

الجزار يختبئ وراء ستار، والسكين تم شحذها وإيران تنتظر الأوامر للتنفيذ

أميركا والغرب يعون تماماً أنهم لم يعد لديهم حاجة إلى نشر قواتهم على الأرض إلا بأعداد محدودة ولغايات استشارية، فالزوجة السرية إيران ستسوغ لهم هذا الغياب العسكري لتحارب بالنيابة عنهم. إيران من ناحيتها ستداعب عواطف الشيعة العرب الذين يؤدون لها كل طقوس الولاء باستثناء القلة القليلة منهم كالمرجعية السرخي وأنصاره، وستنجح في بعض ما تهدف إليه، لكن الظروف العالمية والخلافات الممتدة على سطح الكرة الأرضية ستحول دون إطلاق يد الجزار. فالسعودية لها تحالفاتها التي لا يستهان بها، ومحاولة أميركا تقسيم العربية السعودية والسيطرة على منابع النفط سينقلب عليها لأن إيران ستنقلب أيضاً على أميركا في الوقت الذي تراه مناسباً.

إيران بدأت بالفعل حربها المباشرة ضد العربية السعودية من خلال أول صاروخ بالستي تقذفه باتجاه الديار المقدسة. فهي تريد أن تدخل المعركة بقداسة مكة ولكي يصلح ادعاؤها أنها الأقدر على حماية تلك البقعة الطاهرة. حسن نصرالله رجل إسرائيل وإيران في الجنوب اللبناني والذي ظهر مؤخراً لتعويض خسارة إسرائيل بانهيار الجيش الجنوبي وقائده سعد حداد، نصرالله صرح بعدائه وانه يحضر لاحتلال مكة والمدينة، كما صرح من قبل بأنه ينفذ الأجندة الإيرانية في العالم العربي. الخائن الذي ارتدى عمة النضال تم بناء قواته واستثمرت حربه الصورية في عام 2006 لكي يستقطب من يستطيع من الأنصار في المنطقة العربية، وها هو اليوم يحارب بالنيابة عن إسرائيل وإيران في سورية وسينتقل بعدها إلى الخليج. إيران شحذت سكينها للإجهاز على آخر معاقل السنة في المنطقة العربية ولو تأتى لها الأمر وناهزتها الفرصة فلن توفر جهداً في ذلك.

أميركا ستندم كثيراً إذا سارت في اتجاه القطيعة واذكروا قولي…

أميركا بقدر ما تخطط لم تفهم بعد العالم السني. فهي تراه مشتتاً ضعيفاً ولربما عملت على ذلك بنفسها، لكنها لا تدري أيضاً والتاريخ شاهد أن السنة في العالم أذرعهم طويلة وتمتد شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وأن مصالح أميركا ستكون عرضة لخطر التلاشي فيما لو أقدمت على إشعال الفوضى في السعودية.

الشعوب العربية والإسلامية السنية ستتحرك بتشدد هذه المرة ليس مفتعلاً كما هو حال داعش التي أنشأتها أنظمة استخباراتية، بل بحركة تلقائية شعوبية جماهيرية لن تستطيع أي قوة حربية التصدي لها. فهي -الشعوب- ستتحول لحرب العصابات المضني الذي لن تقدر عليه الطائرات، وستصبح كل الدول الإسلامية والعربية كابوساً أسوأ بكثير من كابوس فيتنام لأميركا، أما إيران فستجد نفسها منعزلة إسلاميّاً وغير قادرة على الحركة وسط هذه السنية العالمية، وستندحر تاركة وراءها خسائر قد تودي بكيان الدولة كله.

أميركا قامرت باتفاق النووي، وهي تقامر اليوم بمناصرة الشيعة، وستجد ذلك فيما تبقى من النص غير المقروء في الأحداث. فالحقيقة الغائبة عن أميركا هي أنها امبراطورية حديثة لا تعرف التاريخ ولا تقرؤه، وإذا قرأته لا تستطيع فهمه خصوصاً لدول كالعراق ومصر وسورية التي تمتد في عمق التاريخ أضعافاً مضاعفة، تلك الدول التي جمعت مقابر كل الغزاة وأشنعهم كالتتار، فهل ستكون عاجزة عن إيران ومن يدعمها؟ لقد وضعت أميركا بيضها في سلة إيران، وبدل أن “يفقس” ويأتيها بما تحلم به، سيتحطم بيضها وسيتعفن في السلة التي حملت الكثير من المؤامرات على مدار عصور طويلة.

الفوضى في العالم العربي كالتسرب الإشعاعي النووي، مدمر لكل من حوله، وسيكون أول الخاسرين هم العبثيون في عالم السياسة، لأنهم الأقرب إلى مصادر التسرب الإشعاعي هذا، كما سيجعل كل من عبث بأمن المنطقة ووقف ضد الربيع العربي الذي نشأ سلمياً يخسر ويندم، وقد يكون الثمن نهاية امبراطوريات نشأت على أنقاض أمم تلاشت.

المصدر: د. صلاح المومني

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *