التخطي إلى المحتوى
الليبرالية بكل أشكالها هي العدو الحقيقي للمشروع الإسلامي في المنطقة

د. صلاح الدين محمود
أكثرت من القراءة في السنوات الماضية وخلال التحضير لبحث الدكتوراه في مختلف الأفكار المطروحة على الساحة، حيث تنوعت هذه الطروحات بين الليبراليين والإشتراكيين واليسار العربي، وقوى الضغط المرتبطة برجال الأعمال أو الذين اصطلح الشارع العربي المنتفض على تسميتهم بالقوى “الفاسدة”، أو أغنياء السلطة.
ليس هناك شك من عداوة اليساريين والإشتراكيين في مختلف أنواعهم وأيديلوجياتهم، وكذلك أصحاب البزنس للمشروع الإسلامي في المنطقة العربية، أو ما اصطلح عليه بالإسلام السياسي.
الواقع يحكي ويفسر ما كتب في المقالات والأبحاث والتحاليل الأكاديمة والسياسية لهؤلاء. ولو أخذنا التجربة العربية بشتى أنواعها لوجدنا أن الليبراليين هم الأكثر عداوة، وعداوتهم هي الأكثر ضراوة على الساحة للإسلام السياسي. وبالرغم من أن بعض العلمانيين والليبراليين يخفي معتقده الحاقد على الإسلام، إلا أن ما طرحه بعض الكتّاب والأكاديميين مثل الدكتور خالد الحروب في مقاله (استبداد الأردوغانية ينهي “النموذج التركي”) يظهر فيه حقده الدفين على الإسلاميين رغم أنهم هم الذين أوصلوه إلى ما هو عليه الآن. فهو الذي انبطح للإسلاميين مشهّداً موحداً حتى اختلس منهم وثائق تضفي على كتاباته شيئاً من المصداقية، خصوصاً تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية أثناء انطلاقته الفكرية حينما كان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين. ثم تمرس في الإنبطاح حتى اشتهر بين الكتاب بالإسلامي التحرري، وما لبث أن نزع البرقع وارتدى “المني سكيرت” ليقدم نفسه وفق إغراءات الليبراليين ببرنامجهم المشؤوم في عالمنا العربي المسلم.
أما الكتابات الليبرالية التي انتشرت باللغتين العربية والإنجليزية من خلال بعض المواقع ومنها موقع “كارناجي للدراسات” الذي يديره الدكتور مروان المعشر رئيس وزراء الملك الأسبق، فلم تكن أكثر من كتابات رومانسية في عالم السياسة، كذبتها الوقائع على الأرض. فهو –المعشر- وكثير من زملائه الذين كتبوا حول الإسلام السياسي كانوا أكثر حصافة بطرحهم لكنهم لم يقلوا عداءً عن الليبراليين البارزين أصحاب الحناجر “الأطرشية” والتي اعتمدت عمق الصوت وطول النفس في الهجوم على الإسلام السياسي، تماماً كمواويل فريد الأطرش.
فمثلاً لم يكن هناك استنكار واضح لما حدث على أيدي الإنقلابيين في مصر ودموية الحدث، ضاربين بعرض الحائط مبادئهم الليبرالية وحقوق الإنسان. كما إنهم يتحدثون عن الأنظمة السائدة في العالم العربي وخصوصاً تلك الحليفة للغرب على استحياء، ويقدمونها على أنها الأكثر التزاماً بالتعددية من أي مشروع إسلامي رغم عللها، حيث أصبحت هذه العلل مجرد عوارض طبيعية واختزلت حتى كأنها غير موجودة.
الحديث عن التعددية السياسية عند الليبراليين له شرط واحد أو شرط يعد الأهم، وهو أن لا تكون الأكثرية للإسلاميين في أي انتخابات. فمثلاً لو حدثت انتخابات كما حدث في مصر وتونس، يهبون لنسف البرنامج الإسلامي بإيجاد توليفة من المعارضين بحجة عدم الخبرة والقدرة على إدارة شؤون البلاد وازدياد الأزمات وعدم الإنفتاح، والعجيب في الهجمة الليبرالية أنها تكون مشتركة بين عقل ممسوخ يفكر بأنانية مفرطة، وبين تآلف للفساد الذي انتشر في العهود المظلمة للحكام المطاح بهم بمن في ذلك مجموعات رأس المال “الحرام” وأصحاب “البزنس” وقد رأينا بأم أعيننا ما فعله البرادعي الذي يعد صنم الليبراليين الأول في المنظومة السياسية المطروحة في المنطقة. فقد عمل بجدٍّ طوال فترة وجود الإسلاميين في الحكم، لكنه عاد إلى الثكنات الخلفية بعد أن تسلم العسكر الدمويون مقاليد الأمور.
كذلك، فهم –الليبراليون- يرون نظاماً كنظام تركيا استبدادياً لأن الشارع اختار أردوغان الذي أصلح الاقتصاد واستعاد هيبة تركيا التاريخية، وقفز ببرامجه ليجتاز دولاً صناعية متقدمة وينتهي به المطاف متربعاً على إحدى القمم منافساً تلك القوى التي سيطرت على الساحة الاقتصادية على مدار عقود طويلة مضت.
أسوأ من هذا كله أن الليبراليين من شاكلة الحروب يستنكرون على أردوجان نجاحه الذي أنبت اقتصاداً قوياً من بذارٍ ميتة أو منتهية جفت على مدار سنوات حكم العلمانيين الأتراك، رغم أنه لم يخض حرباً لدعم اقتصاده، كما لم يختطف اللقمة من أفواه الفقراء كما هو الحال في دول امتصاص الدم العالمي لتغذية شرايين وجيوب الفاسدين، بل قدم الحياة الكريمة لشعبه بكل أطيافهم. أردوجان فعل كل ما فعل وفق برامج ناجحة اخترقت السوق العالمية وتصدرت بها تركيا العالم، ومع ذلك هي دكتاتورية تركية أردوجانية في نظر الحروب ومن على شاكلته.
لم يعد لدي شك أن عقول الليبراليين هي الأكثر ضراوة بالعداء للإسلام وأهله رغم مناداتهم المقنّعة والمموهة بالتعددية، فهم يريدونها تعددية وفق أغلبيتهم، ويريدون الإسلام لاعباً ثانوياً أو طربوشاً وعمامة وجبة في زاوية من زوايا المسجد. يريدون للإسلام السياسي أن يصبح مجرد نكهة في وجبة تكون الغلبة فيها لهم ولقوانينهم وسياستهم، ويريدون لصناديق الاقتراع أن تصبح ملكاً لهم يغيرون ويبدولون فيها كما يحلو لأنانيتهم.
الإشتراكيون واليساريون يعادون الإسلام لأن عقيدتهم مرتبطة بالشيفونية وتؤله منظّري سياسة الإشتراك والمحاصصة وفق شهوات ونزوات مؤسسي تلك الحركات، لكن الليبراليين يريدونها تعددية على طريقة حكام العقود المنصرمة في عالمنا العربي. يريدونها نتائج بمعادلات خاصة بهم لا تخضع لأي مبدأ أو عدالة متعارف عليها وفق منظومة الأفكار التي يحكمها المنطق، لهذا فهم يلبسون البرقع تارة من خلال إملاءات حريتهم الإفتراضية، وينزعونه متى يريدون، وحين الحاجة يرتدون “المني سكيرت” محاولين تقديم مغريات للشارع الذي سرعان ما تشتعل فيه الفطرة ويريدها إسلامية حينما يصل إلى صناديق الاقتراع، لهذا لن تهدأ المعركة، وإنما ستتأجج في الأعوام القادمة لأنها معركة وجود أو فناء، والذي لا نشك فيه في هذا المقام هو أنها –المعركة- ستنتهي بانتصار الشارع الإسلامي رغم ضراوة العراك.
قد يخفف الليبراليون من هجمتهم على الإسلام السياسي تارة ويزيدونها أخرى، لكنهم يبقون العدو اللدود والخصم الأخطر على أمتنا المسلمة، فهل من مشكك فيما أقول؟

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *