التخطي إلى المحتوى
الإنسانية تتجسّد في “حلب لبيه”

د. كلثم جبر

كانت قطر ولا تزال نصيرة للمظلوم ومجيرة للمحتاج وناصرة للحق ومساندة للخير، تثبت ذلك مواقفها العادلة في الملمات والمآسي التي تمر بها الدول الشقيقة والصديقة، في حالات الحروب والكوارث الطبيعية. وها هي قطر اليوم حكومة وشعباً تقف إلى جانب إخواننا المنكوبين في سوريا، لتحتل مأساة حلب الاهتمام اللازم من هذا البلد المعطاء، بعد أن وقفت معظم دول العالم موقف المتفرّج من مأساة حلب التي ما زالت تحترق نتيجة العدوان والظلم والتجاوز، رغم كل القيم الإنسانية وما تتضمّنه من دعوة مباشرة للسلام الذي نصّت عليه المواثيق والقرارات الصادرة عن المنظمات والمؤتمرات والندوات والجمعيات الدولية. وكانت استجابة قطر لمساعدة منكوبي حلب سريعة ومنسجمة مع سياسة قطر الخارجية الإيجابية حيال مثل هذه القضايا.

وما إلغاء مظاهر الاحتفال باليوم الوطني إلا امتداد لهذه السياسة وتعبير عن المشاركة الوجدانية والعملية لأهل حلب المنكوبة، وتلت ذلك حملة التبرّعات التي شارك في نجاحها أبناء قطر والمقيمون فيها، مشاركة إيجابية وكبيرة، وها هي اللجنة المنظمة لاحتفالات اليوم الوطني للدولة تعلن عن أنها تقوم بالترتيبات النهائية لتنظيم المزاد العلني الخيري للتبرّعات العينية لحملة “حلب لبيه”، بالتنسيق مع الجهات المعنية، وكانت اللجنة قد أطلقت حملة “حلب لبيه” يوم 18 ديسمبر بالتعاون مع الجمعيات الخيرية في الدولة والهلال الأحمر وهيئة تنظيم الأعمال الخيرية، وأعلنت عن جمع أكثر من 290 مليون ريال منذ انطلاقها في “درب الساعي”، إلى جانب التبرّعات العينية الثمينة التي حرص المواطنون والمقيمون على التبرّع بها نصرة لأهلنا في حلب.

حلب في قلب كل مواطن ومقيم، بل هي في قلب كل مسلم يشعر بواجبه تجاه أخيه المسلم بعد أن عبثت أيدي العابثين بها، وشرّدت أبناءها، فهاجروا منها حفاظاً على أرواحهم من نيران الغدر والعدوان التي لا تميز أحداً عن أحد، فأتت على الأخضر واليابس في هذه المدينة التاريخية التي حفلت مسيرتها عبر التاريخ بالأمجاد والبطولات، وما أصيبت به مؤخراً من نكبات أمر فوق الاحتمال، فلم يعرف التاريخ الحديث مثل هذه الوحشية التي تمارس ضد حلب ومواطنيها الأبرياء الذي رفضوا حكماً ظالماً ومستبداً، فتكالب عليها جنون ذلك الحاكم واستبداده بوسائل يتبرّأ منها كل إنسان يملك حسّاً إنسانياً تجاه أخيه الإنسان، وهو أمر رغم ضعف بعض الحكومات، إلا أن الشعوب لا تعرف سوى الوقوف مع المظلوم ضد الظالم، في زمن حافل بالتوترات والاضطرابات التي تفتعلها بعض الحكومات بعيداً عن إرادة شعوبها المغلوبة على أمرها.

ومن أسوأ الأمور أن تقف مع الظالم دولٌ عربية فقدت حكوماتها الإحساس بالواجب، وظلّت شعوبها مخلصة لمبادئها، بمناصرة أهل حلب خصوصاً، وأهل سوريا، فمن كان يتصوّر أن دولة عربية يمكن أن تقف إلى جانب المستبد ضد شعبه المنكوب، لكن بطولة أهل حلب ستقلب الموازين عاجلاً أو آجلاً لتدور الدوائر على كل ظالم ومستبد، ومعه كل من ناصره من أعداء الأمة والمتآمرين عليها، ومن يريدون بها شراً ويسعون أن تظل دولها في مؤخّرة الركب، بسبب التدهور الأمني، والتراجع التنموي، فلا أمن ولا تنمية في ظل حرب طاحنة تقودها حكومة ظالمة ضد شعبها المظلوم، وتساندها قوى الشر الإقليمية والعالمية، والأسوأ أن تساندها دولة عربية عُرفت بمواقفها المشرّفة في عهودها السابقة.

ما قدّمته وتقدّمه قطر في سياق اهتمامها بحلب أمر سيسجّله التاريخ بمداد من ذهب، حين هب المواطنون والمقيمون للقيام بالواجب والاستجابة لتوجيهات سمو أمير البلاد المفدى في هذا المجال، حيث قامت اللجنة المنظمة لاحتفالات اليوم الوطني بواجبها في هذا الأمر بالتعاون مع الجمعيات الخيرية والهلال الأحمر وهيئة تنظيم الأعمال الخيرية منذ انطلاق حملة التبرّعات في “درب الساعي”، وما صاحبها من تبرّعات عينية ثمينة قدّمها المواطنون والمقيمون إلى جانب ما قدّموه من مبالغ مالية كبيرة، فها هي قطر الخير تفيض ظلالها الوارفة على من أرهقتهم رمضاء الظلم، وشتتتهم مآسي الحروب، وشرّدتهم قسوة الظروف حين واجهوا آلة الحرب العاتية بصدور عارية، ولكنها مليئة بالإيمان واليقين بالنصر المؤزّر بإذن الله، وما ذلك على الله ببعيد.

المصدر: الراية القطرية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *