التخطي إلى المحتوى
محاولة في التّنجيم السياسي-أحمد الغز

لا اعرف ماذا اكتب هذه الايام، فأنا ممنوع من قول الحقيقة وتسمية الأشياء بأسمائها، وممنوع من البكاء والنحيب على ما نشاهده ليل نهار من مجازر ودمار، وممنوع في العبث بأسباب الوحدة الوطنية الهشة والجوفاء، وممنوع من الحديث عن الآخر أياً، احتراماً لخصوصية الطوائف الآثمة والمقدَّسة في آن، وممنوع علينا تجاهل السادة قادة البلاد لانهم يستوحشون ويخافون من إهمال المواطنين لعظمتهم وحنكتهم وظُرفِهم حتى لو كان ثمن ذلك خراب البلاد، ومحتم علينا ان نتابع ما يفكرون به وان نضحك عندما يريدون  ونصمت متى يشاؤون.

المسموح الوحيد والمعقول الآن هو التنجيم والحديث عن ماذا تقول الأبراج ، والجميع يتحضرون لمتابعة لائحة العرّافين وماذا سيقولون ليلة رأس السنة، حيث لكل قناة تلفزيونية عرافته او عرافه، وسيعرف اللبنانيون ماذا سيجري في لبنان والمنطقة والعالم في السياسة والاقتصاد والأمن والحروب والاغتيالات والفنون والدين قبل انقضاء ليل الواحد والثلاثين من كانون الاول، وسيدخلون الى العام ٢٠١٧ وهم متيقنون بما سيكون عليه العام القادم.

رأيت ان الواجب يقتضي ان اشرب من بئر الجنون الوطني وادخل  في عملية التنجيم  الشفاف حيث لا احد يحاسب احدا على التوقعات والاستنتاجات والتناقضات والادعاءات ، وسوف تكون هذه باكورة اعمالي التنجيمية.

أولاً ستأخذ الحكومة الثقة باغلبية موصوفة، واتوقع ان يكثر الحديث عن قانون الانتخابات العادل، واتوقع ان لا يستطيع لبنان اجراء انتخابات هذا العام  وربما في العام القادم أيضاً. واتوقع ان ينتاب اللبنانيون الذعر من الانضمام الى نادي الرئيس محمود عباس كممثل للشرعية الفلسطينية بعد ان انضم اليه كل من رؤساء سوريا واليمن والعراق وليبيا، الذين أصبحوا يشبهون محمود عباس، يمتلكون الصفة والشرعية بدون دولة ولا مجتمع. أتوقع ان يصبح الاجتماع الروسي الايراني التركي حول سوريا بغياب سوريا، ما يشبه الاجتماع الرباعي حول لبنان في الرياض بين الملك خالد والرئيس السادات والرئيس الاسد وأبو عمار بغياب لبنان. أتوقع ان يتسلم الرئيس الأميركي ترامب الرئاسة في ٢٠ ك٢ وأن يكتشف الجميع بأن ترامب هو حليف اوباما، وأنهما يريدان دعم بوتين للمضي في وظيفة روسيا الأميركية في المنطقة كما كانت وظيفة سوريا في لبنان. أتوقع ان يتمنى الشعب السوري والعراقي واليمني وربما اللبناني في العام ٢٠١٧ لو انهم مكان الشعب الفلسطيني. أتوقع ان يزداد حب اللبنانيين لبعضهم البعض خوفا ان يفضح بعضهم البعض بالحديث عن مدى هشاشة واقع الجميع بدون استثناء. أتوقع  ان يتمنى المعارضون لو انهم كانوا موالين وسيكتشفون انهم كانوا يطاردون خيط دخان ووهم من الاوهام. أتوقع ان يكثر حديث اللبنانيين عن الثلوج والأمطار كونها الحقيقة الوحيدة في لبنان.

اعتقد بأنّ التنجيم اسهل بكثير من الكتابة الجادة او الموضوعية، ولا تحتاج الى اكثر من التعامل مع هواجس الناس وامنياتهم. وكلما كانت التوقعات بسيطة كلما أنصت اليها العموم لانهم لا يحبون الأمور المعقدة والمركبة،  ولا يثقون بالنخبة وأفكارها وادعاءاتها  بعد ان خيّبت آمالهم في اكثر من حقبة وواقعة. لقد اعجبتني الفكرة وربما احاول احتراف التنجيم السياسي للتقرب اكثر من اصحاب المقام العالي الذين لا يحبون العقل والتحليلات، ويفضلون المعلومات القادمة من الغرف السوداء ومكاتب المخابرات او السفارات، لانها كانت ولا تزال اصدق إنباءً من الكتب والسيوف في آن.

ahmadghoz@hotmail.com

المصدر: موقع اللواء اللبناني

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *