التخطي إلى المحتوى
الخلاف بين العملاقين.. عاكف والهضيبي

شعبان عبدالرحمن
من المحطات المهمة في حياة الاستاذ محمد مهدي عاكف المرشد السابق (السابع) للإخوان ذلك الخلاف الذي أشيع عنه بينه وبين المستشار حسن الهضيبي المرشد الثاني للجماعة. وقد تطرق إليه الأستاذ عاكف في الحوار الذي أجريته معه عام 2004م والمنشور في مجلة المجتمع الكويتية، والذي أنشر منه متقطفات متعلقة بأهم المحطات في حياة ذلك العملاق المختطف خلف القضبان بمناسبة العنت والظلم الواقع رغم مرضه الشديد.
يقول عن تلك الفترة: عند استشهاد الشيخ البنا كنا في المعتقل.. كانت الدعوة واضحة في أذهاننا.. وأعداؤنا كثيرون.. لم تختلف الرموز من أجل منصب المرشد.. كان هناك الباقوري وعبدالحكيم عابدين وعبد الرحمن البنا ومصطفى مؤمن.. كانت أسماؤهم تتردد كمرشدين.. كنا طلابا ومعنا أساتذتنا الذين نحبهم ويحبوننا.. ونحترمهم ويحترموننا.. ، كلنا نعيش للإسلام.. لم يكن في ذهننا الرياسة.. ولم نكن ننشغل بها.. وإنما انشغل بها أهل الاختصاص.
وبعد خروجنا من السجن اجتمعت الهيئة التأسيسية والإخوان المختصون.. واختاروا الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا.
في ذلك الوقت كنت قد بدأت العمل في المركز العام في القسم الرياضي، وكنت غير قادر على التعامل معه بعكس الأستاذ البنا يرحمه الله الذي كان يعرفنا جميعاً فرداً فرداً ويخالطنا دائماً، أما المستشار حسن الهضيبي يرحمه الله فكان رجلاً قليل الكلام.
وذات مرة غضب الهضيبي من الإخوان وسافر إلى الإسكندرية، وكنت حينئذ رئيس قسم الطلاب ورئيس قسم الرياضة، فلم يعجبني ذلك، فركبت سيارتي وتوجهت إليه في الإسكندرية، ودخلت عليه فقال: لا تتكلم، ولم يكن بيني وبينه سوى الأخوة العامة والجندية والقيادة. وأضاف: سأحكي لك أنا، وظل يحدثني عن أن الإخوان، عندما ذهبوا إليه وأتوا به كان على أساس أن كل شيء في الجماعة منضبط.. ولكنه وجد مشكلات كثيرة.
يضيف الاستاذ عاكف: فلما حكى لي (المستشار الهضيبي) كل شيء بالتفصيل احترمته جداً، وخرجت من عنده وهو أحب الناس إليَّ، وتوثقت العلاقة بيني وبينه، وربما يظن كثير من الناس أن «عاكف» لم يكن منسجماً مع الأستاذ الهضيبي في ذلك الوقت.. ولكن سأحكي لك واقعة:
في إحدى المرات.. اجتمعت الهيئة التأسيسية، لبلورة موقف الإخوان من الأحزاب وغيرها، وقد كان للأستاذ حسن الهضيبي رأي، مخالف رأي الهيئة التي كانت ترى تأكيد مبدأ عدم دخول الانتخابات؛ خروجا من حيز الأحزاب، وقد اجتمعت الهيئة لإقرار هذا المبدأ، وتأكيده.
كانت الصحافة تنتظر خروج الأستاذ الهضيبي ليدلي بتصريحات، وتنتظرني أيضاً لأدلي بتصريحات مخالفة له، فأردت أن أصفع من ينتظرون معركة تصريحات بيني وبين الأستاذ الهضيبي، وبينما نحن خارجون وينظر الجميع إلينا مترقبين ما سيحدث، اتجهت الى الأستاذ الهضيبي، وتناولت يده فقبلتها وأفسدت بذلك كل ما كان يخططون له وينتظرون حدوثه، حتى إن أحدهم قال لي من غيظه: يا منافق!
كان هذا في بداية تعارفي بالأستاذ الهضيبي، فما بالك بعد توثق العلاقة بيننا وبعد أن صرنا أخوين حبيبين؟ كان يسر إليَّ بما يريد، وإذا أحب أن يستريح أتى إليَّ، كان ذلك في الفترة من عام 1951 ـ 1954م.
جانب آخر من خلاف المستشار الهضيبي مع بعض الإخوان الذي تطور إلى محاولة البعض الاعتداء عليه في بيته، وأترك الأستاذ محمد مهدي عاكف يروي ما حدث، يقول: في ذلك الوقت، كنت رئيساً لقسم الطلاب، وأراد البعض الاعتداء عليه في بيته والسيطرة على المركز العام، وكنت أشرف على معسكر في حلوان، ولم أعرف بتلك الواقعة إلا صباح اليوم التالي من خلال الصحف.. وقبل هذا اليوم كان طلاب الجامعة قد دعوني في المنيل للتعرف على أسباب فصل بعض الإخوان: السندي وسيد سابق والغزالي وصالح عشماوي وغيرهم، ودخل عليَّ عادل كمال، فسألته: لماذا أتيت؟ أنت مفصول من الجماعة، ولا يجوز لك الحضور، فخرج وكان معه بعض المفصولين، وهم إخوتي في الله، لكن بعض الاخوان من الحضور أصر على معرفة سبب فصلهم، فاقترحت عليهم أن نذهب كوفد إلى الأستاذ الهضيبي للحديث معه في هذا الشأن، وبالفعل ذهبنا إليه، ومكثنا حوالي ساعتين نستمع إليه ولكنه لم يذكر كلمة واحدة عن سبب فصلهم، بل قال: نحن في مكتب الإرشاد قررنا ألا نعلن أسباب الفصل، فشكرناه وخرجنا، وانتهت القضية.. وانصرف كل منا إلى حاله.
ولو قرأ الناس خطاب الفصل لعلموا من هو حسن الهضيبي ومن هم الإخوان، فقد نص الخطاب على أنه قد تم فصلهم – بكل بساطة – لأنهم لا يستطيعون التجاوب مع أسلوب الإخوان في الدعوة، وأرادوا أن يخدموا الإسلام بأسلوب آخر، فسألنا الله لهم التوفيق، وهكذا لم يوجه إليهم سب ولا نقد.
وقد عاد معظم هؤلاء المفصولين مرة بعد أن اعتذروا، وأنا كنت ممن يشجع على عودتهم، ما داموا أدركوا خطأهم واعترفوا به.. وأرادوا تصويبه.

المصدر: السبيل

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *