التخطي إلى المحتوى
تداعيات مستقبلية للحراك العربي

أحداث مذهلة جرت على الساحة العربية في بعض الدول العربية، ودماء نزفت، وبيوت دمرت، وبنى تحتية خرّبت، واقتصادات استنزفت، ومصانع توقفت، ونساء فقدن فلذات أكبادهن وأزواجهن، وأطفال هاموا على وجوههم يبحثون عن آباء وأمهات قد اختفوا، وسيل المصائب والآلام تدفق حتى لا تدري إذا كانت الجحيم قد التهبت، أو أن الضمائر قد اندثرت.

هناك من يخلص إلى استنتاج سريع بأن هذا الحراك كان وبالا وستبقى آثاره السلبية ملازمة للعرب على مدى سنوات طويلة قادمة، وهناك من يرى أن الحراك -الذي لا يبدو أنه انتهى إلى نتائج إيجابية الآن- قد وضع الإسلام في صدر السياسة العالمية، وأنه فاتحة لاستعادة العز الإسلامي الذي كان. في هذا المقال يحاول الكاتب أن يستقرئ التداعيات التي يمكن أن تترتب على هذا الحراك، ويستلهم بعض الإيجابيات والسلبيات التي ستطفو مع قادم الأيام.

“الأوروبيون لم يتعلموا بالعقل قبل مئات السنين، وعلمتهم الفأس عندما وقعت في الرأس. ولا أرى أننا نحن العرب أكثر ذكاء من الأوروبيين وانتظرنا الفأس طويلا علّ وعسى أن تعمل في وعينا فتصحو عقولنا”

لم أكن أتردد على مدى السنوات في القول إن شوارع المدن العربية ستشهد سيلا من الدماء لأن الأنظمة العربية تدفع بسياساتها نحو الفتن والاقتتال والفوضى. للأسف حصل هذا وما زال مستمرا. وللأسف أيضا أن الدم الذي رأيناه حتى الآن في عدد محدود من البلدان العربية سيمتد مستقبلا إلى بلدان أخرى. أي أن البلدان التي لم تشهد حراكا عربيا ودمارا وخرابا تصطف لتأخذ دورها مستقبلا.

ما زال الاستبداد والفساد يضربان جذورا في العديد من البلدان العربية، ولا مفر أمام الشعوب العربية في النهاية من الثورة أو التحرك بعنف ضد أنظمة الحكم. والحراك العربي الذي تم حتى الآن في بعض الدول لم يكن كافيا ليكون درسا للأنظمة العربية الأخرى -التي بقيت مستقرة إلى حد ما- لكي تغير ما هي فيه من نهب للأموال، وتجبّر على الناس، وقمع وتكميم وقهر وإرهاب.

الملاحظ أنه من الصعب أن تتعلم الأنظمة العربية بالعقل، وإنما ربما تتعلم من خلال المعاناة والآلام والأحزان، وقد لا تتعلم أبدا إذا لم تطلها هذه الأحزان. لم يكن من العسير على صاحب فهم أن يستوعب التحولات الثقافية والفكرية والسياسية على الساحة الدولية لكي يعمل على تكييف نظامه السياسي وفق ما تتطلبه المستجدات، لكن كان من الواضح أن الوطن العربي يخلو من صاحب الفهم المطلوب. فهل تحكّم الأنظمة العربية المرشحة لمواجهة الناس عقلها قليلا وتباشر القيام بالتغييرات التي تجنب البلاد الصدام والاقتتال؟

لقد مرت أوروبا بمرحلة قاسية من الصراعات الدموية وطالت حروبها، لكن الأحزان كانت أكبر معلم للأوروبيين ليتبينوا بعد ذلك أن عليهم البحث عن معادلة تمكنهم من العيش معا. الأوروبيون لم يتعلموا بالعقل قبل مئات السنين، وعلمتهم الفأس عندما وقعت في الرأس. ولا أرى أننا نحن العرب أكثر ذكاء من الأوروبيين وانتظرنا الفأس طويلا علّ وعسى أن تعمل في وعينا فتصحو عقولنا.

لقد أحدث الحراك العربي حتى الآن هزة كبيرة في الوعي العربي من مختلف النواحي الدينية والسياسية والتاريخية والمذهبية والطبقية والثقافية.. الخ. ظهرت العنصرية العربية على حقيقتها أثناء الحراك العربي، وتُرجمت الأحقاد والكراهية والبغضاء بين فئات الناس إلى هلاك ودمار.

ربما لم يكن بعضنا يدرك استثمار الأنظمة العربية للخلافات الدينية والمذهبية والقبلية لكي يبقى الحكام حكاما. كانوا يغذون النزعات الطائفية والمذهبية والقومية ضمن سياسة فرق تسد، ونشروا هذه السياسة في أجهزة الأمن والجيش ومختلف مؤسسات الدولة، وكان واضحا أن الأنظمة العربية تكره رؤية مواطنيْن يجتمعان بألفة ومحبة، وتنعم بالارتياح كلما رأتهما يتبادلان اللكمات.

فهل العربي الآن أكثر وعيا بهذه السياسة وسيحاول إبطال مفعولها مستقبلا؟ تقديري نعم. سيدرك العربي بعد هذا القتل وهذه الآلام أن العنصرية المذهبية والدينية والطائفية ليست استثمارا لخير أحد، لا على مستوى الأفراد ولا الجماعات. صحيح أن النفوس الآن متأججة المشاعر العدائية، لكن الأحداث ستساهم في تطوير قناعات جماعات واسعة على اتساع الوطن العربي بأن التعايش والتعاون المتبادل سيؤديان إلى راحة الجميع، وليس راحة طرف على حساب طرف آخر.

ولهذا سنجد العديد من الباحثين العرب والمختصين في علم الاجتماع والسياسة والفلسفة يتوجهون إلى نبش التاريخ العربي والإسلامي من جديد، ليقفوا على الجذور التاريخية للنزعات العنصرية العربية والكراهية المتبادلة بين مكونات المجتمعات العربية.

إن الإسلام هو أكبر المتضررين من الحراك العربي، وذلك بسبب فئات إسلامية في غاية التطرف فرضت نفسها على الحراك العربي، وقامت بنشاطات أمنية وعسكرية كثيرة أساءت إلى الإسلام والمسلمين. صورة الإسلام والمسلمين لم تكن مريحة على المستوى العالمي قبل الحراك العربي، وأتى الحراك ليؤكد لمئات الملايين من الناس في العالم أن الإسلام دين إجرام وقتل، ويجب اتقاء شر المسلمين الذين لا يؤمن جانبهم.

“سيدرك العربي بعد هذا القتل وهذه الآلام أن العنصرية المذهبية والدينية والطائفية ليست استثمارا لخير أحد، لا على مستوى الأفراد ولا الجماعات. صحيح أن النفوس الآن متأججة المشاعر العدائية، لكن الأحداث ستساهم في تطوير قناعات جماعات واسعة على اتساع الوطن العربي بأن التعايش والتعاون المتبادل سيؤديان إلى راحة الجميع”

طور الحراك العربي صورة سلبية جدا عن الإسلام، خاصة أن الناظرين إلى شاشات التلفاز وأعمال الذبح والإحراق والغدر لا يذهبون إلى القرآن الكريم ليحكموا على هذه الأعمال وفقه، وهم يحكمون على أي دين من خلال سلوك أتباعه. والقناعات التي تبلورت عالميا عن الإسلام لا تقتصر على غير المسلمين، وإنما هناك مسلمون لم يعودوا على قناعة بأن الإسلام دين حق ودين أخلاق. ولهذا من المتوقع أن يرتد كثير من المسلمين عن الإسلام ليعتنقوا ديانات أخرى خاصة المسيحية، أو يتحولوا إلى جاحدين بدون دين.

سيحمّل العدد الأكبر من الباحثين مسؤولية الحط من صورة الإسلام للفقهاء، على اعتبار أن فتاواهم هي التي ولّدت المذاهب والتطرف والجنون الدينييْن. لقد أشبع الفقهاءُ الدينَ الإسلامي تفاصيل فقهية إلى درجة أن دين اليسر أصبح دين عسر. لم يتركوا أمرا بسيطا أو سلوكا متواضعا تركه الله سبحانه للفرد ليحكّم عقله فيه إلا مسّوه وأفتوا فيه، حتى أصبح الإسلام حظيرة مغلقة يحاصر المسلمين ويمنعهم من التآلف والإبداع والتطوير واللحاق بالأمم الأخرى، ولهذا سنجد العديد من الأبحاث والدراسات التي تطالب بمراجعة الفقه الإسلامي ومدى شرعية الفتاوى واتفاقها مع الإسلام.

وتقديري أن مدارس فقهية ستواجه حملات علمية شديدة ضدها، ومن المحتمل أن تمحى من خريطة المذاهب. وسنجد وسائل إعلام عدة توظف جزءا من طاقاتها لإعادة تقييم الفقه الإسلامي، وستشن حملات إعلامية واسعة ضد احتكار الإيمان والجنة ومحبة الله. المعنى أن جوا إسلاميا جديدا سيبدأ في التطور على الساحتين العربية والإسلامية، والعديد من القناعات الدينية التقليدية ستكون هدفا من أجل استبدالها بقناعات جديدة.

أرى أن أحداث الحراك العربي تساهم مساهمة فعالة في عقلنة الدين الإسلامي، وقد رأينا في التجربة المسيحية ما يؤيد هذا. لم يقف الدين المسيحي على أقدامه إلا بعد ظهور توماس الأكويني وأوغستين كونت اللذين فلسفا الدين المسيحي ووضعاه في قالب عقلاني منطقي، إذ حاول الفيلسوفان تنقية الدين من عقلية الشعوذة والأبعاد الغيبية الوثنية والأساطير لكي يتمكن الناس من استيعابه عقليا.

وتقديري أن الإسلام القائم حاليا سيتعرض لما يشبه التجربة المسيحية. العديد من الكتاب والباحثين سيتصدون للكثير من الأفكار الإسلامية القائمة حالية، وسيتبلور اتجاه نحو دراسة الفكر الإسلامي بدل التركيز على الفقه الإسلامي. تاريخيا، ساد الفقهاء وتم عزل المفكرين على اعتبار أن الشياطين تتلبسهم، وأرى أن الفرصة التاريخية أصبحت مواتية الآن أمام أصحاب الفكر ليخوضوا معاركهم الفكرية أمام الفقهاء، خاصة أن قدرة الفقهاء على استعمال سلاح التكفير والتشهير ستتقلص، إما بسبب سن قوانين ضد الظاهرة أو لأن جماهير واسعة لم تعد تقبل هذا السلاح.

“الأنظمة العربية التي واجهت التمرد ستغير ما هي عليه، والأنظمة التي بقيت بدون مواجهة ستتعلم ولو قليلا من الدرس. وضع الحريات في البلدان العربية سيتحسن، وتبذير أموال الناس سيتقلص. يجب ألا نتفاءل كثيرا باستجابة الأنظمة العربية للعقل والمنطق، لكن التغيّر يفرض نفسه دائما على التغيير”

وعلى الرغم من القتال الشرس والمعارك الدامية، فإن مكانة الأنظمة العربية ستنحدر بصورة كبيرة، وقدرتها على استعباد الناس ستتحجم. الأنظمة العربية هي السبب الأول في كل ما يجري وجرى على الساحة العربية، وستدرك أن الناس لم يعد بمقدورهم تحمل المزيد من الظلم والاستهتار بمصالحهم.

الأنظمة التي واجهت التمرد ستغير ما هي عليه، والأنظمة التي بقيت بدون مواجهة ستتعلم ولو قليلا من الدرس. وضع الحريات في البلدان العربية سيتحسن، وتبذير أموال الناس سيتقلص، وسنرى مزيدا من الفرص أمام العربي للمشاركة في النشاطات الاجتماعية والسياسية. يجب ألا نتفاءل كثيرا باستجابة الأنظمة العربية للعقل والمنطق، لكن التغيّر يفرض نفسه دائما على التغيير، والغبي هو الذي ينتظر التغيّر لكي يُغيّر.

أما إسرائيل فإنه كلما تحسن وضع الإنسان العربي واكتسب حرية ساء وضعها. لقد وقفت إسرائيل على أقدامها حتى الآن وانتصرت في أغلب حروبها بسبب ضعف العرب، والعرب ضعفاء ما دام الإنسان العربي الفرد مغيبا. سيشهد الإنسان العربي مع قادم الأيام بعض الحضور، وهذا سيرفع من درجة تأثيره في القرار السياسي والأداء السياسي. مصلحة إسرائيل تتطلب بقاء العربي ذليلا مهمشا نذلا، لا يشعر بذاته ولا ثقة له بقدراته.

أرى أن الدماء العربية التي نزفت لها مقابل متمثل في تحسين الأوضاع السياسية التي تنعكس على حال الفرد. ولهذا سيكون للفرد العربي دور أفضل في تحديد سياسات الأنظمة العربية تجاه إسرائيل، الأمر الذي لا يخدمها.

الفرد العربي عموما يعادي إسرائيل، وهو ضد الاعتراف بها وضد التطبيع، وضد مشاركتها في أعمال على الساحة الدولية، وستواجه الأنظمة العربية ردود فعل جماهيرية ضد سياساتها الصهيونية أكثر حدة مما شهدناه في السابق. إسرائيل ستبقى مطمئنة ما دامت الأنظمة مستمرة في الحكم بدون ضغوط شعبية، وهي بالتأكيد منهمكة الآن بصورة كبيرة في دراسة التداعيات على أمنها ووجودها.

المصدر: الجزيرة

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *