التخطي إلى المحتوى
ما بين الأب والابن والروح القدس …. المراهنون على ترامب … خسارة وانحطاط!!!

د. صلاح المومني

كثر المراهنون على ترامب في الفترة الأخيرة، كل له مطلبه وأمنياته ويحاول أن يوصل رسالته إلى الرئيس المنتخب بقوة الهاكرز الروس حسب بعض التقارير الأولية الصادرة في أميركا من قبل جهات رسمية.

الرسائل التي وصلت للرئيس كلها تدعوه إلى الوقوف إلى جانب مرسليها، وكل من هؤلاء يداعب غرور الرئيس المنتخب ويقدمه بكونه الملهم القادم لإنقاذ السياسة الأمريكية التي أوحلت أثناء فترة الديمقراطيين التي قادها أوباما.

صديق أميركي قديم قال لي ذات مرة، “إذا أردت ان تعرف نمط الحكم في أميركا فانظر إلى تشكيلة الإدارة بغض النظر عن الشعارات المرفوعة”. فمثلاً، تشكيلة الإدارة لدى الأب والابن بوش كانت عسكرية يمينية جمعت بين الجيش واليمين المتطرف لذا خاضت حروبها في الشرق الأوسط وأفغانستان دون معارضة تذكر، بل وهيأت المنطقة لما هي عليه الآن، وقبل كل ذلك جنت ثمار حرب باردة طويلة مع السوفييت وبددت شمله غير عابئة بما قد ينتج من ذلك الفعل حتى لو أدى الأمر إلى فوضى نووية، وهذا ما حصل تماماً إذ ازدادت عدد الدول النووية ولم تعد أميركا قادرة على التحكم وممارسة الردع النووي. كانت تلك سياسة الأب والابن وهذا العام شهدنا مولد الروح القدس دونالد ترامب الذي جاء وفق أجندة أكثر تطرفاً من السابق وصريحة حد البوح بمكنون النفس لدى الإنجيليين المتطرفين.

“الروح القدس هذا ” ترامب” شكل إدارته بذات الطريقة فجمع كل المهووسين بفكرة الحرب والممزوجين بالطابع التهجمي على الإسلام ونبي الإسلام وقدمهم قادة للحملة القادمة التي يبدو أنها ستكون مسعورة وشرسة خارجيّاً في أكثر من اتجاه لكنها ستتركز على المنطقة الإسلامية، كما ستكون صلفة وتقشفية داخلياً بسبب الوضع الاقتصادي والسياسي “المتدهورين” في الداخل.

من خلال هذا الإفراز سنرى أن سياسة أميركا الخارجية ستلتقي مع كل من يعادي الإسلام. في الشرق الأوسط مثلاً سيكون السيسي والكنيسة القبطية أدوات قمعه في مصر لكل ما هو إسلامي، وقد ينزلق ترامب إلى الهاوية بتجريم الإخوان المسلمين المصريين وتشخيصهم كإرهابيين، وسيستصدر القوانين اللازمة لمحاربتهم داخل أميركا والقضاء عليهم في مصر، لذا قد تكون الأربع سنوات القادمة ربيع السيسي بدل أن تكون ربيع مصر والثورة.

الملف السوري سيبقى على حاله من أجل إغراق روسيا أكثر فأكثر في المستنقع ويستبعد أن يقوم بحملة مباشرة ضد الوجود الروسي في المنطقة، لكنه سيبقي خياراته مفتوحة لكي لا يتوغل الدب على حساب المصالح الأمريكية.

إيران في أجندة أميركا لم تتغير منذ عهد الشاه ولن تتغير، فهي الزوجة السرية التي بدت تظهر للعلن غير عابئين كلاهما بتاريخ من الحرب الإعلامية التي أظهرت كذب كل تلك الأطراف التي ادعت الحرب والخلاف. كما أنهما لن يأبها كثيراً لمشاعر حلفاء العمر في الخليج والعالم العربي.

الخلاف الذي قد يحدث بين أميركا وإيران متعلق بالأردن، فهي -الأردن- الدولة الربيبة التي سيسعى ترامب للمحافظة عليها بينما إيران تطلبها لإكمال دائرتها في السيطرة على العواصم العربية لإحياء امبراطورية كسرى فارس. هذا الخلاف سيحل بنوع من التوافق بين الحليفين -أميركا وإيران- وسيحاولون تغيير بوصلة النظام عربياً وإيجاد كيان حليف وفق طابع يقبل بالوجود والنفوذ الفارسي. ولكي يتم للإيرانيين ذلك سيدخلون عبر ميليشياتهم بعمليات محدودة لمحاربة بؤر قد تسلم للمتشددين لكي يتسنى لهم العذر في تبرير هجومهم خصوصاً أن الدولة الأردنية ليس لها طابع عدائي مع إيران لكن تراها الأخيرة أنها تحتاج للترويض أكثر للسماح بما يسمونه – السياحة الدينية- والتوغل الفكري والعقائدي المدعوم بالمال الإيراني.

ترامب سيرفض أي تغيير جذري في نظام الحكم في الأردن، وسيبقيه في خانة الحلفاء لحاجته الماسة له وفق قواعد التحالفات في المنطقة، لكنه مجبراً سيسمح لإيران بتنفيذ بعض رغباتها لتحكم الطوق على السعودية من ناحية ولتجنب الحرب المباشرة في المنطقة، حيث أن هدف أميركا سيكون -إن قدروا عليه- تغيير الخريطة في المنطقة وتشتيت الدولة السعودية وبعثرة كيانها مما يسمح بقيام حرب محدودة تمكن الأمريكان من السيطرة على منابع النفط ثم لتحترق بقية البلاد، إذ لا يهم الإدارة الجديدة في البيت الأبيض سوى تلك المنابع.

إسرائيل مدللة ترامب وإدارته هي الكاسب مؤقتاً

الكاسب الأكبر مؤقتا، أو الأكثر كسباً في هذا الحراك العسكري السياسي الممزوج بالتحالفات ستكون دولة إسرائيل. فهي التي امتد نفوذها في مصر اليوم ليصل قصر الرئيس الذي ينفذ كل سياساتها بحذافيرها، وهي غير عابئة بالأردن النظام بقدر ما هي مهتمة بأمن حدودها، لذا فالمرحلة القادمة ستكون أكثر أمناً من السابق لأن التحالفات ستفرض قيوداً جديدة على الدولة الأردنية تمنح من خلالها تسهيلات أمنية لإسرائيل أكثر من السابق، بل ولربما امتد الأمر إلى حدود عازلة مجهزة بتكنلوجيا متقدمة ومسلحة بقدر عال من الأنظمة الإلكترونية التي ستحسم أي تسلل، كما ستستخدم الطائرات بدون طيار لمراقبة تلك الحدود، وبالتالي ستبقى إسرائيل في مأمن فيما لو نشب صراع عسكري “ميليشياوي” داخل الأردن سواء مع داعش أو مع أي جهة أخرى قد تتسلل إلى هناك كجماعة حسن نصر إيران و”شبيحة” الأسد وغيرهم، آخذين بالاعتبار أن حزب إيران (حزب الله) قد تحولت سياسته كليّاً ولم يعد خطراً على إسرائيل لأن الدور المنوط به اليوم مختلف تماماً، وهو حزب أجندات وليس حزباً تأسس من رحم الأرض اللبنانية المقاومة.

يعتقد البعض أن شرارة الصراع في الأردن ستنطلق من الجنوب بحكم أن هناك بعض العمليات للمخربين جرت في الكرك والشوبك، لكن الخوف الأكبر هو من حدود الأردن مع العراق وسورية لأنها حدود لم تعد آمنة وكثيرون هم الذين يتطلعون لاجتياحها سواء بدواع عسكرية سياسية أو بدواع مرتبطة بالمهربين وتجار السلاح والبشر والمخدرات. والأردن لا يحارب عسكريّاً وسياسيّاً فقط، بل يحارب جرائم كثيرة تتسبب بها حدوده مع دول الجوار الملتهبة، لذا فإن أمن هذا البلد بوجود حكومة مدنية يراها الشعب فاسدة لن يصمد كثيراً، وهو بحاجة إلى غرف عمليات كثيرة وحكومة وحدة وطنية -إن كان هناك وحدة وطنية-.

عموماً، إسرائيل ستكون الرابح الأكبر في المعركة الحالية لكن هذا لن يمكنها أبداً من البقاء في مأمن بعيداً عن الثورات التي تشعبت وتجزأت وصارت كأحد أركان المنطقة التي تكاد تنهار أنظمتها كليّاً، لأن المنطقة تحكمها تحالفات كثيرة تتقلب بين حين وحين.

ترامب في أجندة تصفيات اللعبة ووضع لمسات الشرق الأوسط الجديد

بقي القول بأن ترامب جاء وفق أجندة أمريكية عالمية لتنفيذ مخططات كثيرة في المنطقة العربية مغتنمين وقاحته وقدرته على المراوغة، وهذه ليست الأجندة التي يحملها الرجل ذاته لأنه شخص خاوٍ سياسياً، بل هي مخططات عالمية أميركا لها دور كبير فيها. كما أن الصراع في المنطقة لن يتوقف قريباً ولكل مرحلة نبوءة خاصة بها، فلا ثوابت لتحليل الأوضاع القائمة، في الوقت الذي أصبحت عملية انتهاك القوانين من قبل الدول والحكومات أكثر بكثير من تلك الانتهاكات التي ترتكبها العصابات، بل أصبحت الجيوش النظامية تحمل عقيدة الميليشيا التي تتغير وتتلون بمزاج قائدها وبحجم المساعدات والدعم المشروط من قوى الصراع، وليس وفق قواعد لعبة الحرب والسلم، وهذا يعني وبكل وضوح انحطاط وخسارة البشرية كلها بينما يربح الأشرار ومجرمو الحرب.

 

المصدر: د. صلاح المومني

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *