التخطي إلى المحتوى
تركيا روسيا وبالعكس، انقلاب في الأحلاف الدولية والبوصلة في اتجاه جديد/د. صلاح المومني

ربما أفضل طريقة لتجنب غضبة الدب هي مداعبته ودغدغة عواطفه دون اللجوء إلى المساس به عن قرب. هذا ما لاحظناه في طبيعة وطريقة التقارب التركي مع الدب الروسي رغم دموية الأخير.

الرئيس رجب طيب أردوغان لا يتمتع بكاريزما جماهيرية فقط، لكنه يتحكم بقوة خصومه من خلال سطوته الناعمة وعناده المبرر وقدرته على سحر الخصم وجلبه لساحته دون المساس بسيادة تركيا التي يحكمها وفق مبدأ وصلف العثمانيين الجدد.

حينما أسقطت المقاتلة الروسية سوخوي -24 ذهب الجميع في تحليلاتهم إلى أن القطيعة بين الدولة العثمانية الحديثة والقياصرة الروس قد بدأت وأن ملامح حرب كونية ستحدث إثر تفاعلات القضية، لكن كشفت الأيام أن التخمينات جميعها كانت عبارة عن تنجيم خارج قواعد اللعبة التي ترتكز عليها سياسة السلطان الفاتح الثاني “أردوغان”، وكما يقولون: كذب المنجمون ولو صدقوا.

الرئيس الدرويش والطيب أردوغان يبدو أنه طيب بذاته وشخصه لكن حينما يمارس الحكم يعرف كيف يراوغ مع خصومه ويدري أنه لابد من أن يصافح دون انحناء وأن يحضن من غير عاطفة، ويعلم هذا الدرويش العثماني الجديد الذي جاء من رحم معاناة الدولة التركية العلمانية أنه لابد للسلطان الفاتح أن يتجدد في شخصه، وأنه من غير المعقول أن تبقى الخلافة التي امتلكت ثلثي الكرة الأرضية حبيسة حدود المؤامرة الأتاتوركية البائسة. لهذا اختط الرئيس الفذ منهجاً جديداً في السياسة الدولية لم يكن معهوداً قبل مبادرته، بل لم تعرفه أحداث التاريخ القديم والحديث.

السياسة التي انتهجها أردوغان وفريقه عن فهم ودراية ليست معضلة على من يريد لبلاده السيادة النسبية عالمياً (سيادة نسبية لا تجعله يدور في فلك الآخرين، بل تجعل الآخرين يبحثون عنه للالتصاق به)، والمطلقة محلياً والواثقة إقليمياً. عرف الأتراك حجمهم، وعرفوا حجم الصراع، وقوة المتصارعين، لذا اختاروا أن يتقاربوا مع الدب الروسي مبتعدين خطوات كثيرة عن الأطلسي عملياً رغم انتمائهم له قانوناً وسياسة، وهذا ما أغرى الروس ليفتحوا صفحة جديدة مع دولة سيكون لها دور الريادة في المنطقة بأسرها، كما أنها دولة قفزت فوق كل الحواجز، وسابقت وسبقت تلك التي كانت تتصدر المشهد الاقتصادي عالمياً. الروس الذين لا ينسون العداوة ولا يألفون الصداقة، تناسوا على طاولة المصالح وأمام بريق عيون الرجل الفذ أردوغان طائرتهم التي أسقطت، ليس هذا وحسب، بل تناسوا دم سفيرهم المخضرم الذي لم يجفّ بعد. ثم هناك ما هو أهم، وهو تناسي ولو مؤقتاً تاريخاً طويلاً من الصراع القيصري العثماني، فهم -الروس- تولدت لديهم قناعات أن من قام بتلك الأفعال يريد أن يضع حواجز بينهم وبين تركيا، وحتى لو لم يكونوا قد وصلوا درجة اليقين في تفسير الحادثين الجللين عليهما، فقد أدركا ووجدا أن مصلحتهما تكمن في التغاضي عن تلك الحوادث التي قد تؤجج حرباً ضروساً لو لم يتعقل الطرفان ويدركا مصالحهما المطلقة أمام تلك العوارض.

إذن، هناك تناغم بين الدولتين يفوق ما نراه على مسرح سورية من عمليات تقوم بها القوات الروسية إلى جانب الميليشيات الإيرانية وغيرها ضد الثوار السوريين، وهذا ما يفسر أن الأتراك آثروا اللعب بطريقة مختلفة هذه المرة من أجل شق صف الحلف الإيراني الروسي، رغم تعاطفهم مع الشعب السوري وثواره.

هذا التناغم بين الدولتين لم يتوقف عند حد التغازل والمصافحة أمام الكاميرات، بل تعدى ذلك ليتخطى التحالف الشكلي، وليكون برنامج عمل بين الحليفين وخطة تقضي بموجبها كل دولة على أعدائها وتفضي إلى إيجاد حلف آخر يلغي شكلية وارسو والأطلسي التقليديتين.  لهذا فإن كلا الفريقين عازم على الخروج اقتصاديّاً بتحد جديد للاتحاد الأوروبي الذي بدأ بالتآكل، وبتحدٍّ عسكريٍّ لحلف الأطلسي الذي اتسع في أوروبا الشرقية المتهالكة اقتصادياً وضاق ذرعاً بدولة كتركيا التي طورت من ذاتها وحسنت اقتصادها حتى أصبحت ضمن الصف الأول عالمياً، بل وتتقدم ضمن خطة شاملة ستجعلها الدولة التي تتسارع على طريقة صواريخ الفضاء غير عابئة بكل قوى الشد والجذب، تاركة لعوادمها مسؤولية التغلب على قوى كثيرة تحاول إعادتها إلى قعر المنظومة الكونية، حيث أن اللعبة تقضي بذلك لكن حال تركيا يجعلها عصية على هذا التردي المراد لها.

أعتقد أن تقارب أردوغان بوتين هو شر لابد منه للوقوف أمام غطرسة أميركا التي بدت سياستها غير مرتبطة بقواعد وأسس تضمن للحلفاء حالة انسجام ومصالح مشتركة، بل أصبحت تركز فقط على مصالح إسرائيل وتدور في فلك النووي الإيراني وغرور اتفاقيتها المزعومة.

فأميركا لم تعد لديها حالة توازن في الموقف نحو تركيا وهذ ينفر الحلفاء، خصوصاً ضلوع أميركا وقواعدها العسكرية في محاولة الانقلاب الفاشلة على حكم أردوغان حيث فقدت مصداقيتها الديمقراطيّة مرتين، مرة بدعم انقلاب مصر والأخرى بالزج بنفسها في معادلة خاسرة في تركيا، ولا ننسى الانقلاب الاقتصادي الأخير على تركيا، لذا فلا أقل من رد ذلك الاعتداء بتقارب مع روسيا يضمن إعادة صواب الحليف القديم أو على أقل تقدير يضمن وجود طرف آخر قد يقف إلى جانب تركيا في معركتها مع المؤامرات خصوصاً أنها -المؤامرات- جاءت من الحليف الذي يتربع في أحضان الأتراك منذ زمن غير يسير.

ربما القضية السورية هي القضية الشائكة في مرحلة التقارب التركي الروسي، لكن يبدو أن هناك تفاهمات حول مصير الأسد ونفوذ إيران، غير أن روسيا لن تتنازل عن مصالحها والتي ربما تتوافق مع مصالح تركيا في بعضها من حيث القضاء على التمرد الكردي وضمان أمن الحدود وعدم وجود نظام يدعم المعارضة التركية، لذا يبدو أن مؤتمر الأستانة المزمع عقده الشهر القادم سيمر بمعوقات إيرانية سورية “النظام”، لكن ستتبدد المخاوف حينما نعلم أن روسيا هي التي رجحت كفة النظام وحلفائه الإيرانيين وميليشيات الشيعة المتواجدين على الأرض في معاركهم ضد الثوار، وهي التي بإمكانها رفع الغطاء الجوي إذا أصرت إيران على موقفها المفسد لوقف إطلاق النار، وفي هذه الحالة سيصبح الأمر بجله ضد المصالح الإيرانية التي لن تقوى على الاستمرار في صراعها على الأرض سورية.

هذه التجاذبات قد تطول أو تقصر لكن عهدنا أن الأتراك لا يدعون فرصة تمر دون الوثوب على صهوة جياد تجعل ركبهم في المقدمة، ولهذا علينا أن نبارك للأتراك هذا التقارب غير متناسين أن روسيا هي عدو آخر، وأن التقارب هو تقارب مصالح مؤقتة حتى يتم التمكين، خصوصاً أن هذا التقارب الذي قد يفضي إلى التحالف ليس ضد مبادئ الدولة العليّة.

بقي أن أقول إنه يجب على الخليج العربي أن يخترق منظومة التحالف الجديدة ويتقدم كحليف بكل ثقله لتركيا حتى يتسنى لهم الوقوف والتصدي للمؤامرة التي ستبدأ فصولها الجديدة فور تولي الرئيس المنتخب ترامب مهامه، فهو الذي صرح جهاراً نهاراً وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع أنه سيبدأ بتصفية ضرع البقرة الحلوب -السعودية- ثم يذبحها. فليس من الحكمة أن ينتظر الذبيح ذابحه، فالخراف والدجاج تقاوم الذبح والذابح ولا تستسلم لحتفها بسهولة. مازال في الأمر متسع، ولعل الأيام القادمة تنبئ بوجود حلف جديد يضمن للخليج العربي ما تبقى من ماء وجهه، ويخرجها من عزلتها التي تكاد تأخذها إلى الهلاك.

تركيا اليوم تقود في المنطقة وفق منظومة أحلاف جديدة وعلى كل من يريد أن يكون مع الأقوياء وأن يدخل المعركة القادمة دون تنازل ودون هوادة فعليه ان يلتحق في الركب، وكما يقول المثل الشعبي “الحكي الك واسمعي يا جارة “الأردن”

المصدر: د. صلاح المومني

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *